ابن بسام
232
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وقالت لي البغلة : أما تعرفني أبا عامر ؟ قلت : لو كانت ثمّ علامة ! فأماطت لثامها ، فإذا هي بغلة أبي عيسى ، والخال على خدّها ، فتباكينا طويلا ، وأخذنا في ذكر أيامنا ، فقالت : ما أبقت الأيّام منك ؟ قلت : ما ترين ، قالت : شبّ عمرو عن الطّوق ! فما فعل الأحبّة بعدي ! ؟ أهم على العهد ؟ قلت : شبّ الغلمان ، وشاخ الفتيان ، وتنكّرت الخلان ، ومن إخوانك من بلغ الإمارة ، وانتهى إلى الوزارة ، فتنفّست الصعداء وقالت : سقاهم اللّه سبل العهد ، وإن حالوا عن العهد ، ونسوا أيّام الودّ ، بحرمة الأدب ، إلّا ما أقرأتهم مني السلام ؛ قلت : كما تأمرين وأكثر . وكانت في البركة بقربنا إوزّة بيضاء شهلاء ، في مثل جثمان النّعامة ، كأنما ذرّ عليها الكافور ، أو لبست غلالة من دمقس الحرير ، لم أر أخفّ من رأسها حركة ، ولا أحسن للماء في ظهرها صبّا ، تثني سالفتها ، / وتكسر حدقتها ، وتلولب قمحدوتها ، فترى الحسن مستعارا منها ، والشّكل مأخوذا عنها ، فصاحت بالبغلة : لقد حكمتم بالهوى ، ورضيتم من حاكمكم بغير الرّضى ؛ فقلت لزهير : ما شأنها ؟ قال : هي تابعة شيخ من مشيختكم ، تسمّى العاقلة ، وتكنّى أمّ خفيف ، وهي ذات حظ من الأدب ، فاستعدّ لها ، فقلت : أيتها الإوزّة الجميلة ، العريضة الطّويلة ، أيحسن بجمال حدقتيك ، واعتدال منكبيك ، واستقامة جناحيك ، وطول جيدك ، وصغر رأسك ، مقابلة الضّيف بمثل هذا الكلام ، وتلقّي الطارئ [ 1 ] الغريب بشبه هذا المقال ؟ وأنا الذي همت بالإوزّ صبابة ، واحتملت في الكلف بها عضّ كلّ مقالة ، وأنا الذي استرجعتها إلى الوطن المألوف ، وحبّبتها إلى كل غطريف ، فاتخذتها السادة بأرضنا ، واستهلك عليها الظّرفاء منا ، ورضيت بدلا من العصافير ، ومكلّمات الزرازير ، ونسيت لذة الحمام ، ونقار الدّيوك ، ونطاح الكباش . فدخلها العجب من كلامي ، ثم ترفّعت وقد اعترتها خفّة شديدة في مائها ، فمرّة سابحة ، ومرة طائرة ، تنغمس هنا وتخرج هناك ، [ قد تقبّب جناحاها ، وانتصبت ذناباها ، وهي تطرّب تطريب السّرور ] ؛ وهذا الفعل معروف من الأوزّ عند الفرح والمرح ، ثم سكنت وأقامت عنقها ، وعرّضت صدرها ، وعملت بمجدافيها ، واستقبلتنا جاثية كصدر المركب ، فقالت : أيّها الغارّ المغرور ، كيف تحكم في الفروع وأنت لا تحكم الأصول [ 2 ] ؟ ما الذي تحسن ؟ قلت : ارتجال شعر ، واقتضاب خطبة ، على حكم المقترح
--> [ 1 ] ط : الطائر . [ 2 ] ب س : ولا تحكم في الأصول .